عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
371
اللباب في علوم الكتاب
لأنّها إذا جاءت لا يؤمنون » . فهو لا يأتي بها ؛ لإصرارهم على كفرهم ، فيكون نظير : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [ الإسراء : 59 ] ، أي بالآيات المقترحة ، وعلى هذا فيكون قوله : « وَما يُشْعِرُكُمْ » اعتراضا بين العلّة والمعلول . الثاني : أن تكون « لا » مزيدة ، وهذا رأي الفرّاء « 1 » وشيخه ، قال : ومثله : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [ الأعراف : 12 ] أي : « أن تسجد » فيكون التّقدير : وما يشعركم أنّها إذا جاءت يؤمنون ، والمعنى على هذا : أنّها لو جاءت لم يؤمنوا ، وإنّما حمله على زيادتها ما تقدّم من أنّها لو تقدّر زائدة ، لكان ظاهر الكلام عذرا للكفّار ، وأنّهم يؤمنون كما عرفت تحقيقه أولا ، إلا أن الزّجّاج « 2 » نسب ذلك إلى الغلط ، فقال : « والّذي ذكر أنّ « لا » لغو ، غالط ؛ لأن ما يكون لغوا ، لا يكون غير لغو ، ومن قرأ بالكسر ، فالإجماع : على أنّ « لا » غير لغو » فليس يجوز أن يكون معنى لفظه : مرة النّفي ، ومرّة الإيجاب في سياق واحد . وانتصر الفارسيّ لقول الفرّاء ، ونفى عنه الغلط ، فإنّه قال : « يجوز أن تكون « لا » في تأويل زائدة ، وفي تأويل غير زائدة ؛ كقول الشّاعر في ذلك : [ الطويل ] 2285 - أبى جوده لا البخل واستعجلت نعم * به من فتى لا يمنع الجود نائله « 3 » ينشد بالوجهين ، أي : بنصب « البخل » وجرّه ، فمن نصبه ، كانت زائدة ، أي : « أبى جوده البخل » ومن خفض ، كانت غير زائدة ، وأضاف « لا » إلى البخل » . قال شهاب الدّين « 4 » : وعلى تقدير النّصب ، لا يلزم زيادتها ؛ لجواز أن تكون « لا » مفعولا بها ، و « البخل » بدل منها ، أي : « أبى جوده لفظ « لا » ولفظ « لا » هو بخل » . وقد تقدّم لك طرف من هذا محقّقا عند قوله - تعالى - : وَلَا الضَّالِّينَ [ الفاتحة : 7 ] [ في أوائل هذا الموضوع ] « 5 » وسيمرّ بك مواضع منها ؛ كقوله - تعالى - : وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [ الأنبياء : 95 ] . قالوا : تحتمل الزّيادة ، وعدمها وكذا ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [ الأعراف : 12 ] ، لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [ الحديد : 29 ] . الثالث : أن الفتح على تقدير لام العلّة ، والتّقدير : « إنما الآيات التي يقترحونها عند اللّه ؛ لأنّها إذا جاءت لا يؤمنون » ، و « ما يُشْعِرُكُمْ » اعتراض كما تقدّم تحقيق ذلك عن أبي عليّ ، فأغنى عن إعادته ، وصار المعنى : « إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ، أي : المقترحة لا يأتي بها ؛ لانتفاء إيمانهم ، وإصرارهم على كفرهم » . الرابع : أن في الكلام حذف معطوف على ما تقدّم .
--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 350 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 310 . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 155 . ( 5 ) سقط في ب .